الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

492

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لما ذكر هول يوم القيامة وذكر حال الكافرين استأنف بذكر تمجيد اللّه تعالى وذكر صفاته إبطالا لكفر الكافرين وقطعا لرجائهم ، لأنّ فيها مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وجعلت هذه الآية ابتداء لآيات تقرير الوحدانية والبعث ، وأودعت هذه الآية العظيمة هنا لأنّها كالبرزخ بين الأغراض السابقة واللّاحقة . وجيء باسم الذات هنا لأنّه طريق في الدلالة على المسمى المنفرد بهذا الاسم ، فإنّ العلم أعرف المعارف لعدم احتياجه في الدلالة على مسمّاه إلى قرينة أو معونة لولا احتمال تعدد التسمية ، فلما انتفى هذا الاحتمال في اسم الجلالة كان أعرف المعارف لا محالة لاستغنائه عن القرائن والمعونات ، فالقرائن كالتكلّم والخطاب ، والمعونات كالمعاد والإشارة باليد والصلة وسبق العهد والإضافة . وجملة « لا إله إلّا هو » خبر أول عن اسم الجلالة ، والمقصود من هذه الجملة إثبات الوحدانية وقد تقدم الكلام على دلالة لا إله إلّا هو على التوحيد ونفي الآلهة عند قوله تعالى : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ البقرة : 163 ] . وقوله : الْحَيُّ خبر لمبتدأ محذوف ، و الْقَيُّومُ خبر ثان لذلك المبتدأ المحذوف ، والمقصود إثبات الحياة وإبطال استحقاق آلهة المشركين وصف الإلهية لانتفاء الحياة ، عنهم كما قال إبراهيم عليه السلام يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ [ مريم : 42 ] وفصلت هذه الجملة عن التي قبلها للدلالة على استقلالها لأنّها لو عطفت لكانت كالتبع ، وظاهر كلام الكشاف أنّ هذه الجملة مبيّنة لما تضمّنته جملة اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ من أنّه القائم بتدبير الخلق ، أي لأنّ اختصاصه بالإلهية يقتضي أن لا مدبّر غيره ، فلذلك فصلت خلافا لما قرر به التفتازاني كلامه فإنّه غير ملائم لعبارته . والحيّ في كلام العرب من قامت به الحياة ، وهي صفة بها الإدراك والتصرّف ، أعني كمال الوجود المتعارف ، فهي في المخلوقات بانبثاث الروح واستقامة جريان الدم في الشرايين ، وبالنسبة إلى الخالق ما يقارب أثر صفة الحياة فينا ، أعني انتفاء الجماديّة مع التنزيه عن عوارض المخلوقات . وفسّرها المتكلّمون بأنها « صفة تصحّح لمن قامت به الإدراك والفعل » . وفسّر صاحب « الكشاف » الحيّ بالباقي ، أي الدائم الحياة بحيث لا يعتريه العدم ، فيكون مستعملا كناية في لازم معناه لأنّ إثبات الحياة للّه تعالى بغير هذا المعنى لا يكون إلّا مجازا أو كناية . وقال الفخر : « الذي عندي أنّ الحي - في أصل اللغة - ليس عبارة